مجرد فتاه 1 ، 2


(رحلتي في اكتشاف العالم) ـ 
الجزء الأول

"فاقد الشئ لا يعطيه"

مقولة مشهورة بتتقال وبتتردد كتير صعب تفتكر امتى أول مرة سمعتها لكنها بتتحفر جواك كإنها اكتشاف انت اكتشفته اكتر من كونها اختراع. كإنها استنتاج وحقيقة موجودة من زمان انت بتكتشف وجودها اللي بالفعل حقيقة ولما تكتشفها بتحس إنك كنت عارفها. لو فكرنا في الجملة هنشوف فيها كلام أكتر. ليه فاقد الشئ لا يعطيه؟ يمكن السبب بكل بساطة لإنه مش عارفه ومش عارف بوجوده ودي فكرة تانية بتخطر على بالي وانا بكتب قصة حياتي. هل كلنا بيتاح لنا نعرف نفس الحاجات؟ الحقيقة الحزينة إنه لا. .

على سبيل المثال انا في حاجات كتير انت بتعتبرها أساسيات انا معرفتش بوجودها لتمنتاشر سنة في حياتي. حاجات من اللي حوليك في البيت وحاجات من اللي بتشوفها في الأفلام وحاجات من اللي بتاكلها كانت كلها حاجات مش موجودة في القرية الصغيرة البعيدة اللي اتولدت فيها. تقدر تشوف الوضع إنه في العالم الكبير اللي أهلي عاشوا فيه في العاصمة أبويا قرر يرسم دايرة صغيرة في أقصى أقصى القرى ويربينا هناك بعيد عن الحاجات اللي ممكن تفسد أخلاقنا. لكن قرار البعد عن أهله والسفر لقرية بعيدة مكانش كفاية لحمايتنا فقرر إنه محتاج يمنعنا من التعرف على أي حد حولينا وممنوع نتعامل مع الجيران بأكتر من اللازم. وطبعاً مكانش عندنا طبق للتليفزيون أو موبايلات عشان مانتعرضش للسفه اللي مالي العالم. تمنتاشر سنة في العالم كل معلوماتي عن المدينة والعيشة مستوحاه من القنوات الأرضي ولمحات من مشاهد عابرة كنت بشوفها من شباك العربية الإيجار اللي ابويا كان بيأجرها كل كام شهر لزيارة ستي في العاصمة.

علاقتي بالعاصمة على مدار التمنتاشر سنة كانت علاقة غريبة. العاصمة وناس العاصمة كانت في دماغي هي مجرد تصورات مجمعة من المسلسلات والأفلام القديمة زائد لقطات عابرة عيني بتلقطها زي الكاميرا من شباك العربية وتحتفظ بها. الفكرة دي خلت العاصمة بالنسبة لي دايماً حاجة مخيفة وهدف في نفس الوقت، هي قمة الجبل اللي بحلم أوصله لكن مفيش أمل اعرف. بس كل ده اتغير في لحظة مع ظهور نتيجة الثانوية.

في قريتنا الصغيرة البنات والتعليم عاملين زي ركاب القطر اللي بينزلوا في محطات مختلفة. في اللي بتقف بعد سنة وفيه بعد سنين وفيه مابتدخلش وفي اللي بتوصل للشهادة الثانوية وتقف. هو ده قمة الهرم التعليمي بالنسبة لأي بنت في قريتنا. ممكن يكون ده السبب في إن المجاميع من قريتنا كانت مابتتعداش الستين في المية. وممكن المجاميع كدة كدة مكانتش هتعدي الستين في المية لكن الأكيد إن الجامعة والبنات حاجتين مش بيختلطوا. لكني كنت استثناء.

يمكن كلامي أوحى لك إني إستثناء عشان جبت مجموع عالي فأبويا استخسر إنه يضيع عليا الفرصة. ولذلك محتاجة اعرفك بابويا أكتر ازاي بيشوف علاقته بينا في بيتنا. بيتنا بيت متوسط المساحة مكون من ٣ غرف. غرفة لأبويا وأمي، غرفة للولاد وعددهم ٤ وغرفة للبنات وعددهم ٣. مش هزعجكم بأسماء إخواتي ولا بإخواتي أصلاً لكن المعلومة اللي لازم تعرفوها هي إننا في البيت كننا ٤ خدامات شغالين عند ٥ رجالة مالهمش لازمة. اللي مالهمش لازمة في المقابل المفروض إنهم بيشتغلوا وهو ده اللي بيخلينا نخدمهم ونريحهم بعد يوم العمل الطويل. يوم العمل ده كان بيبدأ من سواق توكتوك لصبي قهوجي. وأبويا كصاحب كشك. فبيتنا كان عبارة عن خمس رجالة بيمارسوا الفشل في الشغل لمدة ما بين تمانية لاتناشر ساعة في اليوم و٤ خدامات بيوفروا ليهم ملذات الحياة المتاحة من أكل وتنضيف وغسيل وغيره.

ما بين السبع إخوات في الشقة التلات غرف دول في ركن الأوضة تقدر تلاقي مرتبة على الأرض بنام عليها ووراها صندوق خشب بيتفتح من فوق مليان لآخره بهدومي -أغلبها هدوم مستعملة من واحدة من اخواتي الكبار- وكتب ومجلات وجرايد..

انا حكيت لك عن العالم اللي اتبنى عشان اعيش فيه، دلوقتي جه الوقت احكي لك عن العالم اللي انا بنيته عشان اهرب له.

وقوعي في حب القراية كان زي حب سجين الزنزانة لفتحة الشباك الضيقة اللي بيقدر يشوف من خلالها الدنيا. الكتب والروايات والمجلات والجرايد حتى اللي الناس كانت ممكن تشوفها تافهة كانت هي طريقي إني الاقي منفد للعالم من الخنقة اللي اتحاوطت بها. الناس لما بتقرا كتاب بتقراه كأحداث وكلمات انا كنت بعيش جواه كنت بتخيل شخصياته حوليا وكنت بشيل همهم وبفرح معاهم. قضيت ليالي طويلة مبنامش عشان مش قادرة اسيب بطل رواية مزنوق في مشكلة من غير ما اتطمن انه حلها.

على الناحية التانية الجرايد والمجلات خلتني ارسم في خيالي صور للفنانين المشهورين اللي شهرتهم خلتهم يتخطوا عالم قنوات التليفزيون الأرضي ومبقاش عندي فرصة اشوفهم فبدأت ارسم تصورات لأشكالهم وشخصياتهم. وأرسم علاقات بينهم بتبدأ من أخبار بسيطة زي كلام فنان عن فنان تاني بالتلميح فابدأ ارسم سيناريوهات في دماغي للخناقات بينهم وأسبابها والنفسنة. حاجات مش حقيقية ومواقف مش حقيقية لكنها كانت بتملا فراغ في حياتي.

الشخصيات اللي كانت مالية حياتي دي سواء كانت شخصيات حقيقية أو من الروايات وخيوط العلاقات الوهمية دي مكانتش بتقف بين الشخصيات وبعضها. لا كانت جزء من العالم بتاعي ومن عيشتي أو بمعنى أصح انا جزء من عالمها بشكل حقيقي جداً. كتير وانا شغالة في البيت كنت بتخيل ان بطلة من رواية معينة بتساعدني، أو ممثلة معينة بتنده لي من المطبخ وانا بمسح برة وبعمل سيناريوهات في دماغي للكلام بيننا. وأكتر من كدة كتير عملت سيناريوهات للشخصيات دي واحنا بنتخانق وكتير وانا بحكي لهم عن مشاكلي وكتير شاركوني لعبي في الاوقات اللي كنت بسرقها لوحدي. ويومياً كان لازم ممثل معين أو بطل رواية معين ياخدني في حضنه ويطمنني عشان انام.

يوم نتيجة الثانوية العامة كان بطل رواية من الروايات هو اللي جنبي وانا بتصل من التليفون الأرضي عشان اعرف نتيجتي وهو اللي احتفل معايا اني جبت خمسة وتمنين في المية. هو اللي قال لباقي الشخصيات عشان يكملوا احتفال معايا لإن في العالم الحقيقي محدش كان مهتم. محدش في البيت كله سألني حتى لو النتيجة طلعت وممكن سبب ده انهم كانوا مشغولين عشان كننا رايحين لستي تاني يوم.

تاني يوم قبل شروق الشمس كان المشروع المعتاد اللي ابويا بيأجره واقف مستنينا قدام الباب وركبنا واحد ورا واحد ابويا قدام وكلنا ورا واتحركنا. بعد حبة ساعات كانت الشمس ظهرت فيهم كننا بننزل شخص ورا التاني قدام بيت ستي عشان نسلم عليها هي وعمتي ونقعد خمس ست ساعات قبل ما نرجع تاني. الموضوع شكله سخيف لكنه الحقيقة كان الخروجة الوحيدة اللي بشوف فيها العاصمة وناسها فكانت بتبقى مغامرة كويسة برضو.

ستي ست مسنة عدت السبعين سنة ونظرها وسمعها بقوا ضعاف عشان كدة عمتي الوحيدة اللي ماتجوزتش من اخوات ابويا البنات عايشة معاها بتخدمها وتساعدها.

أول ما دخلنا البيت زي كل مرة اخواتي جريوا باسوا ايد جدتي وجريوا على التليفزيون شغلوه عشان يشوفوا عليه حاجة من الحاجات اللي بتيجي على الطبق. انا كنت اخر واحدة تبوس ايد جدتي وقمت عشان اقوم للتلفزيون بس عمتي مسكت ايدي..

"انت انهي واحدة فيهم بقى؟" صوتها كان فيه فرحة انا كنت فاكرة ان عمتي ماعرفتهاش في حياتها

"انا ندى يا عمتي"

"كبرتي واتدورتي يا بت يا ندى ايه الحلاوة دي يا أبو أشرف البت شعرها بني ووشها أبيض كدة شكلها أجنبي خالص"

أبويا بص لها وبعدين بص لي كإنه بيلاحظ وجودي في الحياة لأول مرة وبعدين بص لها وهز دماغه بابتسامة اختفت وهو بيبيص على وشي تقريباً متفاجئ من وجوده أساساً وإن بنته عندها وش مش مجرد جهاز بيخدمه، ورا ضهري أمي كانت بتمتم ببعض التمتمات اللي هي بتتعامل معاها كتعاويذ لمنع الحسد، تمتمات بتفضل في لسان أمي من أول ما بتشوف وش عمتي لحد ما نركب العربية مروحين لما بتنهيها بجملة "غلبانة سحر لسة مجلهاش عرسان" بصوت مليان شفقة حقيقية وخوف حقيقي برضو من ان عدم جواز عمتي سحر هيكون سبب أقوى لإنها تحسد الشعب الكبير اللي احنا مسميينه أسرة.

سحبت ايدي بهدوء من ايد عمتي وبدأت اتحرك ناحية التليفزيون وانا سامعة صوت الممثلين اللي عرفت اميز شوية منهم وشوية تانيين كنت متشوقة اعرف هم لمين من الشخصيات اللي بعتبرهم صحابي لكن قبل ما اقدر اوصل للتليفزيون عمتي قررت تسأل سؤال تاني "عندك كام سنة بقى دلوقتي يا ندى؟"

"تمنتاشر يا عمتي" جاوبتها من غير ما اقف في محاولة توصيل رسالة قد ايه وصولي للتليفزيون حاجة مهمة لكن واضح انها مفهمتش الرسالة

"ايه ده قد ابن صفاء، بس هو واد معفن. لا وبلوة جايب لأهله الهم لسة امبارح شايل ملحقين في الثانوية" قالتها عمتي بعفوية شديدة عشان يقاطعها صوت ستي اللي كان بيطلع بالتعب أصلاً بجملة هفضل مقدراها طول العمر "هي البت ندى جابت كام صحيح؟"

صيغة السؤال كانت مفاجئة لدرجة نستني للحظات وجود التليفزيون وخلتي اقف مكاني والف وانا على باب الغرفة. كان شئ غريب جداً ان ستي عارفة اني في ثانوية، كان شئ غريب أساساً إنها عارفة إني موجودة في الدنيا ومش مجرد واحدة من عيال ابنها الكتار. السؤال كان غريب وصادم لدرجة اني مش لوحدي اللي اتخضيت ابويا وامي بصوا لستي مش فاهمين وبعدين بصوا لبعض ابويا بملامح عتاب وامي بملامح اعتذار، مش لسبب معين بس هي دي كانت هواية ابويا المفضلة انه يلوم امي على اي مشكلة عنده او معلومة ناقصاه وبعدين الاوضة كلها بصت لي.

"جبت خمسة وتمنين في المية" جاوبت عشان ارفع الإحراج عن ابويا وامي اللي مكانوش عارفين الاجابة وممكن مش عارفين اني في ثانوية اساساً. اترسمت ابتسامة على وش ابويا كان نفسي تكون ابتسامة فخر بس هي كانت ابتسامة انا عارفاها كويس بتيجي لابويا كل ما واحدة مننا تقرر تسيب التعليم وتريح دماغه من القلق علينا من النزول من البيت للمدرسة. الناحية التانية امي كما هو متوقع انفجرت بالتمتمات لحمايتي مرة تانية من الحسد ووشها هينفجر كإنها بتصنع من روحها سور حماية يحميني من عمتي. عمتي على العكس تماماً ماترسمش على وشها اكتر من نظرة توحي بانها مش منبهرة بالمجموع لكنه احسن من المتوقع واللي فهمت بعد كدة انه رد الفعل الوحيد المنطقي على نتيجة خمسة وتمنين في المية. ثم رد الفعل الأغرب رد فعل ستي اللي قالت وهي بتدور عليا بعينها اللي قرب يبوظها ضعف النظر لدرجة إنها بقت تشوف بالعافية "انتي هنا يا ندى؟ طب تعالي اقعدي جنبي"

صوت التليفزيون كان عامل زي المغناطيس وانا ببعد عنه مرة تانية وكل اللي شاغل بالي اني كنت على بعد لحظة واحدة وخطوة واحدة من اني اوصله لكني رحت قعدت على طرف السرير اللي هي كانت نايمة عليه نص جسمها مفرود والنص التاني ساند على ضهر السرير. قعدت مكان ما شاورت لي وانتشر الصمت شوية في الغرفة وانا قاعدة باصة على صوابع رجلي والسجادة اللي تحتهم وكل اللي بفكر فيه ايه عدد الدقايق اللي محتاجة اقعده قبل ما اقوم اروح للتلفزيون، لكن يبدو ان ستي لسة مخلصتش مفاجئتها دي كانت بتبدأ بس. "سحر جي لها عريس" .

الأنظار المرة دي اتوجهت ناحية عمتي اللي بصت في الأرض هي كمان قبل ما ترفع راسها وتقول "لا يا أمي انا عمري ما اسيبك وامشي، اسيبك لمين انا بس واسافر" في أداء مسرحي مفتعل أكتر من اللي واصل لودني من صوت الفنان في التليفزيون.

"مين العريس؟" رد ابويا بطريقة توضح تماماً انه ماصدقش الأداء الرخيص اللي عملته عمتي من ثواني وقرر يخلص المسرحية اللي عمتي كانت مجهزاها ويسأل الأسئلة المهمة.

"لا يا اخويا عريس ايه، انت بتقول ايه مين يخدم أمي، اسيبها لمين انا" قالتها عمتي اللي شكلها كانت مصرة إنها تكمل على الأقل المشهد الأول اللي كانت مجهزاه للآخر

المرة دي ستي هي اللي اتجاهلتها وهي بتقول "اخو عادل البقال"

كانت انظار كل اللي في الاوضة بتتحرك بين ابويا وجدتي كانه ماتش بينج بونج وفي النص عمتي اللي كملت كلام من نوعية "انا كبرت اساساً جواز ايه وبتاع ايه وهو انا لي غير امي" وسط تجاهل من باقي الأفراد اللي قاعدين لكلامها

"اخو عادل ده مش متجوز" قالها ابويا اللي بالرغم من انه ساب المنطقة من زمان الا ان شكله كان يعرف اسرة عم عادل البقال كويس ولسة فاكرهم.

"اه بس ماتت" ردت ستي وبدأت اتمتم بالرحمات على الفقيدة بس لوحدي الظاهر إن الباقي مكانش مهتم أوي بالست.

"الرجل جاهز من مجاميعه هروح اعيش معاه في بيته في (محافظة تانية) وهو شغال حداد وكسيب يعني" قالتها عمتي في تحول غريب لرأيها في الموضوع بشكل رسم جوة دماغي صورة لها وهي بتدي جدتي بالرجل وتهرب من إنها تاخد بالها منها في لحظة، وكنت هضحك لكني كتمت الضحكة عشان الموقف كان جد وهي كملت "ده بعد موافقتك طبعاً لما تقعد معاه وتشوفه يا أبو أشرف"

انتشر الصمت مرة تانية على الغرفة لكن المرة دي كانت الأنظار ناحية أبويا اللي رد بعد دقايق "مبروك يا سحر" بصوت مفيهوش أي شكل من أشكال المبروك وكمل "نقعد معاه ونشوفه بس مبروك" واتنهد تنهيدة حسستني ان الحوار خلص خاصة بعد ما الصمت رجع للغرفة تاني وحطيت ايدي على ركبتي في استعداد اني اقوم عشان الحق اللي باقي من الساعات اللي فاضلة قدام التليفزيون بس صوت ستي سبقني وهي بتقول "فكرت انا بقى وقلت، ما دام سحر ماشية انت تجيب حد من بناتك تقعد معايا تساعدني هنا. وبما ان ندى جايبة مجموع يدخلها الجامعة انا بيتي ربع ساعة من الجامعة، جنبنا هنا. فا هي مظبوطة هاتها تعيش معايا وتروح جامعتها"

الفكرة خرجت من بؤ ستي لكن عين عمتي هي اللي راحت لابويا مستنية الاجابة.

على عكس عمتي انا محتاجتش ابص على ابويا عشان اتوقع رفض الفكرة. فابويا لو وافق اني اجي اعيش مع ستي هنا فدي حاجة منطقية حسب نظرته ليا مش هتفرق بخدم في بيتنا ولا في بيت ستي واهي كدة كدة كام سنة واخدم في بيت جوزي. لكن حتة إني اخش الجامعة دي كانت فكرة تضحك. انا ابويا كان بيوديني مدرسة البنات بس بالعافية وما صدق خلص. الرجل ساب العاصمة كلها وهرب وقفل علينا مياة ونور، جامعة ايه اللي يدخلها لبنته.

"ندى مش عايزة تخش الجامعة يا اما وهي على وش جواز، هبعت لك سماح الصغيرة تقعد معاكي تخدمك واهي كدة كدة لا لها في علام ولا غيره" سماح كانت اختي الصغيرة اللي سابت التعليم من اربع سنين.

عم الصمت على الأوضة مرة تانية ويبدو ان كل الأطراف اتراضت. عمتي هديت بالخطة الجديدة وأبويا وصل لحل مرضي وستي لقت حد يساعدها وانا هقوم للتليفزيون.

حطيت ايدي على ركبي عشان أخيراً اقوم للتليفزيون لكن صوت ستي قاطعني مرة تانية وهي بتتكلم بصعوبة برضو، بس المرة دي مش صعوبة صحية قد ما صعوبة حد بيقول كلام كان مدفون بالتراب وصعب يتقال دلوقتي. "لما سبت العاصمة وقلت انا هروح اعيش لوحدي قلت لك براحتك، كنت لسة صغير ومش عارف حاجة وقلت مسيره يرجع لي بس مارجعتش. لما قلت لي انا هرمي الوظيفة واروح اعيش انا ومراتي وعيالي بعيد قلت براحته، مابسألش عايش ازاي وبتشتغل ايه انت حر. لما حد بيسألني عليك وعلى أحفادي بقوله كويسين بس مسافرين في شغل بعيد. بخاف يسألني عن علامهم عشان ماقولوش الشاطر فيهم بيفك الخط. لكن لما واحدة من أحفادي تكمل وتجيب مجموع في الثانوية.."

حاول ابويا يقاطع ستي اللي كانت بدأت تتعب اكتر وبتتكلم بصعوبة اكتر "ندى اللي مش عايزة تتعلم والباقي برضو انا برضو ما اجبرتهمش على حاجة" وبص لي بصة مستنجدة حاسمة وصلت لي اللي المفروض اقوله

"انا يا ستي اللي مش عايزة"

"بس يا بت هو العلام فيه عايزة ومش عايزة" قالتها ستي متجاهلة ابويا في البداية قبل ما تبص له تاني وتكمل "انا صبرت كتير، وقلت كلمتي. ندى هتيجي هنا بحاجتها وتخش الجامعة موافق موافق، مش موافق قلبي غضبان عليك".

عدت دقايق كتير قبل ما يرد ابويا "اللي تشوفيه ياما" قبل ما يبص لي بصة اللي باع بنته للشيطان.



الجزء التاني

رحلة رجوعنا للبيت كانت صامتة محدش بيتكلم لكنك تقدر تسمع أفكار الناس، بالنسبة لي الفكرة اللي فعلاً سيطرت عليا هي ليه أبويا وافق. انا عارفة قد ايه ابويا بيحب جدتي لكني بردو عارفة قد ايه هو شخص عنيد ومش من النوع اللي هيسمع الكلام بجملة واحدة، بدأت تتسلل لدماغي أفكار عن لو كان أبويا بيكدب عليها أو بياخدها على قد عقلها ومش هيوديني أو حاجة. ممكن يبعت أختي فعلاً ويعتمد على إن ستي مش هتفتكر شكلي أصلاً وهتنسى موضوع الجامعة ده. حاولت اتخيل حياتي في العاصمة هتبقى عاملة ازاي بس ماعرفتش، لأول مرة خيالي اللي عشت حياة جواه يخونني ومايقدرش يتخيل. مش عشان انا ماعرفش كفاية عن العاصمة بس لكن كمان عشان سبب تاني عشان خايفة احلم بحاجة وماتتحققش وده الغالباً هيحصل. إستحالة أبويا هيوافق.

إستحالة أبويا هيوافق جملة قعدت تلف فوق دماغي بشكل متواصل واحنا مروحين لحد ما وصلنا قدام بيتنا. نزلنا من المشروع ودخلنا البيت، بيتنا كان زي بيوت القرى بيبدأ من البوابة اللي برة أول ما تدخل بتلاقي الصالة وكنبة أبويا والراديو بتاعه والتليفزيون القديم وقدام باب الشقة في ستارة قافلة على الطرقة اللي بتوصل لل٣ أوض. أول ما دخلنا البيت دخلت على أوضتي قعدت في الركن بتاعي على المرتبة عمالة افكر، لو أبويا كان ناوي يسيبني اروح كان قال لإخواتي على الأقل.

عدت ساعة ورا ساعة وعدينا نص الليل ومش عارفة انام من الأفكار. "بت يا ندى، لو صاحية تعالي هنا" جه صوت ابويا من الصالة اتسبب في حبة قلق من اخواتي اللي نايمين جنبي، وبدأوا يتقلبوا. انما انا اول ما سمعت صوته اتنفضت قمت اروح له من غير ما افكر.

"ايوة يابا"

"تعالي هنا" قالها وهو بيشاور على الكرسي قدامه

قعدت مكان ما شاور في صمت، وفضل الصمت مكمل والظاهر ان هو كمان مش عارف هيقول ايه. بعد خمس دقايق قال "انا لما جيت هنا كنت بحميكم، بحميكم من حاجات انتم مش هتفهموها" سكت شوية وكمل "انا عليا ديون وخوفي كله تسددوها مكاني"

استغربت الكلمة، احنا ابعد ما نكون عن اننا اغنيا اه بس انا فاكرة أيام نمنا فيها من غير عشا وابويا رفض يستلف من حد فلوس ولا حتى من أمي، الغريب إن أبويا ماشرحش هو كمل كلامه كإنه بيكلم نفسه أكتر من ما هو بيكلمني "انتي هتدخلي الجامعة. أمي عايزة كدة، انا….انا حتى ماعرفش انتي ازاي جبتي مجموع ونجحتي. وحطتيني في الموقف ده. ما اخواتك فكوا الخط وخرجوا من العلام وخلصوني من القصة دي كان لازمته إيه الثانوية. انا غلطان اني سيبتك تكملي" وسكت تاني قبل ما يكمل بس المرة دي كمل وهو باصص لي وكإن ده أول كلام يتوجه لي فعلاً تقريباً "الجامعة؟ .. الجامعة؟ في العاصمة يالهوي عليا وعلى سنيني. أومال كل اللي عملته عملته ليه لو هنوصل لكدة في الآخر ، تمنتاشر سنة مخبيكي بعيد عن هناك ودلوقتي رايحة لهناك برجلك رايحة لأصل الخراب والضياع برجلك" اترسمت على وش ابويا نظرات غضب وخفت إن الغضب ده يكون موجه ناحيتي وهو باصص لي بس كنت خايفة أكتر يسألني لو فاهمة كلامه، لكن كويس إنه مسألش لإن إجابتي أكيد كانت هتحبطه عشان ماكنتش فاهمة أي حاجة هو بيوقلها. فلحسن الحظ مسألنيش عن حاجة."

"يابا لو مش عايزني اروح مش هروح" قلتها بقلب نص صادق

"لا روحي" قالها وفي صوته نبرة غضب مخفي وكإنه بيحتقرني اني هروح الجامعة "بس اسمعي اللي هقوله كويس" اتغيرت نبرة أبويا للنبرة اللي أنا متعودة عليها في العادي "أنا مخلف سبع رجالة، مخلفتش حريم. وبعد الولدين الأولين انتي مش أكبر بنت لا انتي الولد التالت، مشيتك ماشية رجل كلمتك كلمة رجل، ولا اقولك ماتتكلميهاش أصلاً" قالها في صيغة أمر وكمل من غير ما يستنى رد "لا تعرفي جنس بني آدم ولا تتكلمي مع جنس بشر، تروحي الجامعة في الشديد القوي، بصي وقت الإمتحانات بس، اتفقنا؟"

"اتفقنا" قلتها كرد فعل كإني عاملة ذنب مش فاهماه

"بكرة هتلمي حاجتك وهاخدك اوصلك لستك، عمتك هناك هتقدم لك في الجامعة وهتشتري لك الكتب وكام عباية. عبايات سودا" أكد على الجزء الأخير مرة كمان قبل ما يبص لي بصة أخيرة مليانة حسرة ويقولي "لو سمعت إنك عملتي حاجة كدة ولا كدة هرجعك هنا رجلك مكسورة".

حاولت افهم منه ايه اللي ممكن اعمله يستحق كسر رجلي بس قررت انه مالوش لازمه اسأل انا مش هعمل حاجة خالص وبكدة اتجنب كسر رجلي والأهم اتجنب رجوعي للقرية تاني.

طلع في دماغي سؤال تاني لكن المرة دي سألته عشان حسيت إنه هيحسسه إني مش عايزة امشي وحسيت إن ده هيخليه يبقى أحسن من ناحيتي. سألته ليه هروح بكرة مع ان الجامعة لسة قدامها شهرين ده غير إن جواز عمتي لسة مجرد فكرة شرح لي إن لازم اقعد معاها وافهم احتياجات جدتي وافهم بتشتري ايه منين والأدوية والحاجات دي وان ده هياخد وقت فالأحسن اني اروح من دلوقتي، وده غير ان التقديم للجامعة له خطوات كتيرة وورق محتاج يطلع وتغيير محل إقامة وحاجات كتير مافهمتش أغلبها لكن على كلامه عمتي هتسأل وهتتصرف.

صحيت تاني يوم قبل شروق الشمس كالعادة كان البيت كله صحي، وبدأ إخواتي ييجوا واحدة ورا التانية يسألوني لو فعلاً هروح اعيش مع ستي في العاصمة وبدأوا يحكوا لي إن إخواتي الولاد منهم اللي كان هيعترض بس أبويا أنهى النقاش فردوا إنهم هيطبوا عليا كل شوية عشان يتأكدوا إن مشيي تمام، وأبويا ماردش على ما يبدو الفكرة عجبته. بعدها إخواتي قعدوا معايا وانا بلم الحاجة يقولوا لي لازم تجيلنا واحنا هنجيلك زي ما بنيجي وتقعدي تحكي لنا عن العيشة هناك اللي بجد بقى مش بتاعت التليفزيون. هنا بدأ يترسم في خيالي الخيالات إني هعيش في بيت فيه تليفزيون بطبق أخيراً وبدأت اتخيل الجامعة والفصول هناك. الغريب ان لحد اللحظة محدش سألني حتى انا هخش جامعة ايه، يمكن تكون عمتي وأبويا قرروا خلاص مش عارفة.

مع طلوع الشمس بدأت انا وابويا الرحلة، طول الطريق أبويا كان عمال يديني في وصايا في ازاي ابعد عن أهل العاصمة وماتعاملش مع حد ومن البيت للجامعة ومن الجامعة للبيت، في البداية كنت بسمع بإهتمام ومع تكرار الكلام بدأت اهز في راسي وانا دماغي بتسرح. عمالة اتخيل حاجات سمعت عنها وماشوفتهاش.

وصلنا لبيت ستي وابويا شال الشنطة طلعها فوق وسلم على عمتي وقعد يوصيها نفس الوصاية اللي كان بيسمعها لي تحت وسلم على ستي وسلم عليا وقالي إنه ساب قرشين مع عمتي لزوم الحاجات اللي هنشتريها ومشي.

بعد ما ابويا مشي بدأت اتمشى في شقة ستي، ستي كانت ساكنة في حي قديم بينه وبين الجامعة دقايق مشي لكن في شوارع جانبية جوة مش شارع رئيسي ومع ذلك الشوارع الجانبية كانت لسة أوسع من شوارع بيتنا في القرية الصغيرة. كان مدخل العمارة باب حديد كبير لكن هنا بتدخل منه تلاقي سلم صغير بيوصل لشقتين في الأرضي وسلم قدامك بيطلع لباقي العمارة، شقة جدتي كانت الشقة اللي على الشمال.

لما بتدخل من باب الشقة بتلاقي قدامك صالة صغيرة وفي وشك تليفزيون اجدد من بتاعنا فوقه مفرش وجهاز الدش. وفي الصالة في ٣ أبواب، باب منهم على غرفة ستي على طول وباب على المطبخ وباب على الحمام كلهم في نفس الحيطة اللي على يمينك لما تدخل من الباب. الناحية التانية من الباب كان في حيطة معمولة من الخشب والإزاز مش من الطوب وفيها باب للغرفة التانية اللي هي غرفة عمتي. عمتي شرحت لي بعد كدة في مرة من المرات إن الشقة كانت في الأساس غرفة وصالة بس ولكنهم صغروا الصالة بالفكرة دي عشان يعملوا لها غرفة. وده كان باين من حجم الغرفة اللي كانت بالعافية شايلة سرير ودولاب صغير وترابيزة صغيرة.

بعد ما ابويا نزل فضلت واقفة جنب الشنطتين بتوعي -واحدة كاملة منهم كانت مليانة الكتب والمجلات والجرايد- مش عارفة اروح فين لحد ما عمتي جت وقفت جنبي شكلها بردو مش عارفة هتحطني فين. بعد خمس دقايق من التفكير قالت لي "بصي هم شهرين مش قصة لحد ما امشي، سيبي حاجتك في الشنط زي ما هم وتعالي نامي في السرير جنبي. هو اه ضيق والدنيا حر بس اهو نسلي بعض اليومين دول" وسكتت شوية وكملت "أصلي زهقت من القعدة لوحدي أوي"

حطيت الشنطتين جنب الحيطة وفتحت شنطة الهدوم طلعت منها كلوت وجلابية عشان استحمى واغير للبس البيت ودخلت الحمام باب الحمام كان من غير ترباس عشان عمتي قاعدة لوحدها مع جدتي. قفلت الباب على نفسي وشغلت المياة السخنة زي ما متعودة استحمى وقلعت ونزلت تحت المياة. قعدت تحت المياة كتير وكإن في إحساس إن المياة اللي بتجري على جسمي بتمسح سنين من اللي فات وبتجهزني للي جي. خلصت حموم ولبست وخرجت لقيت عمتي قاعدة في الصالة وبتتفرج على التليفزيون.

"ها يا عمتي انا جاهزة تشرحي لي هعمل ايه"

بصت لي وهي بتضحك "تعالي اقعدي بس لسة بدري هتفهمي كل حاجة، قولي لي الأول انت عايزة تقدمي في كلية ايه؟"

"مش عارفة بس عايزة حاجة يعني كدة تخليني اكتب، انا بحب اقرا وحاسة اني هعرف اكتب بردو مع إني ماكتبتش قبل كدة"

"يبقى كلية الأداب، عارفة انا من قبل ما نتكلم وانا عاملة حسابي عليها. خشي كلية الأداب قسم مكتبات، كان لي واحدة صاحبتي برضو من اللي بيحبوا القراية دول دخلته. طلعت منه اتجوزت على طول"

"اتجوزت من الكلية؟" سألتها مستغربة ايه علاقة كلية أداب قسم مكتبات بالجواز

"ايه يا بت يا ندى جاية تدوري على الجواز في الكلية على طول كدة؟ ده ابوكي موصيني مليون مرة ما تعرفي حد" قالتها وهي بتضحك

"لا لا انا قصدي حاجة تانية"

قاطعتني "انا بهرج معاكي يا بت. وهو انا هاخد على كلام ابوكي برضو. ابوكي ده قفل. عارفة انا لو سمعت كلام ابوكي ده كنت خبت على خيبتي" وضحكت قبل ما تكمل "ده بيقولي اجيب لك عبايات سمرا للكلية يا ندى" قالتها وضحكت

"هو احنا مش هنجيبها سمرا؟" سألتها مستغربة استغرابها من طلب ابويا اللي أكد عليه تلت مرات امبارح

"لا يا حبيبتي مش هنجيبها عبايات" قالتها وضحكت المرة دي ضحكة طويلة وكملت "يا بت يا ندى انتي مش فاهمة حاجة بس هاخدك وافهمك بدل ما تدخلي الجامعة تضحكي الناس عليكي. العيشة هنا غير العيشة اللي انتي شوفتيها خالص هنا العاصمة دنيا تانية" بدأت الضحكة تختفي وهي بتكمل "وانتي لسة صغيرة وقدامك عمر، ماتخليش العيلة دي تكتفك ولا أبوكي يكلكع حياتك زي ما خربت حياتي يا ندى عيشي سنك وحياتك شوية دي فرصتك"

بصيت لها مش فاهمة قصدها برضو

شكله كان باين على وشي إني مش فاهمة حاجة لإنها بصت وقالت لي

"انتي مش معاكي موبايل؟ خشي دوري البنات بتلبس ازاي وهي رايحة الجامعة، ومش البنات الشمال على فكرة لا في لبس محترم لبنات محترمة، بس مش عبايات سمرا يعني"

"انا معييش موبايل"

"نهارك اسود" ردت عمتي بأداء درامي غريب وكملت "في حد لسة معهوش موبايل ونت قومي يا بت البسي ننزل نستلقط لك عدة مستعملة"

بصيت لها بصة فهمت معناها من نفسها وقالت لي "مش لازم ابوكي يعرف مش هنقوله، وانا هجيبهولك من معايا انا محوشة قرشين من معاش ستك يلا"

قمت انا وعمتي لبسنا عبايتين ونزلنا. وانا بلبس ووانا بنزل كان قلبي بيدق جامد لإن ده يعتبر أول مشوار لي في العاصمة. نزلت والحماس ماليني. أول ما خرجنا من باب العمارة صوت الدوشة خرم ودني من كتر ما مش متعودة عليه، بصيت على عمتي حسيتها مش مستغربة عادي فمارضتش اعلق. بعد دقايق اكتشفت ان محل الموبايلات في الحقيقة على بعد دقيقتين مشي من البيت مش بعيد. اشترينا موبايل قديم بس كان شغال كويس وفيه كاميرا ونت وحالته كويسة و رشحوا لنا صاحب المحل وعمتي أكدت عليه خمسين مرة إنه لو باظ أو طلع فيه حاجة هنرجعه. واشتريت لي خط ورجعنا وانا ماسكة الموبايل والخط في ايدي كإني ماسكة كنز.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

التجربه اللي غيرت حياتي 6 ، 7

المؤدبه 1

التجربه اللي غيرت حياتي 1